محمد طاهر الكردي

559

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

أخبارا طوالا ، وأنباء غريبة ، تكلف بها النفوس ، وتألفها القلوب ، وتصبوا إليها الطباع . وقد كان آلهتنا القدماء أشد اختلاطا بنا ، ومعاشرة لنا ، واشتراكا معنا في جد الحياة وهزلها من آلهتكم . فلا جرم تمكن حبها في قلوبنا ، واختلط بنفوسنا ، وجرى مع دمائنا ، وكانت حاجتنا إليهم كحاجتنا إلى الهواء الذي نتنفسه ، وإلى الطعام الذي نقيم به أودنا ، وإلى الشراب الذي ننقع به الغلة ونبل الصدى ، وإلى المعرفة التي نغذو بها عقولنا ، ونرقي بها قلوبنا ، وننقي بها طباعنا من الأوضار والآثام . فلما جاء الدين الجديد ، ضقنا به أشد الضيق ، ونفرنا منه أشد النفور ، وقاومناه أعنف المقاومة وأقساها ، وضحينا في سبيل آلهتنا القدماء بكثير جدا من النفوس والدماء والأموال أكثر مما تستطيعون أن تتصوروا . ولكن الإله الجديد كان أقوى من آلهتنا وأعظم سلطانا ، فلم تثبت له الآلهة ، وإنما انهزمت أمامه وفرت من معابدها وهياكلها ، وأذعن أكثرها لهذا الإله الجديد ، ووفى أقلنا لأولئك الآلهة المشردين . وقد نشأت في أسرة من هذه الأسر التي توارثت الوفاء لأولئك الآلهة ، والتي كانت تؤدي النصرانية لقيصر كما تؤدي له الضريبة التي يفرضها على الأموال ، فإذا خلت إلى نفسها وفت لآلهتها ، وأخلصت لها الدين محتاطة متحرجة ، بالغة من التحرج والاحتياط أقصى ما كانت تستطيع أن تتحمل . ولكن قيصر قد اشتد في دينه . ولم يكتف من رعيته بالطاعة الظاهرة ، وإنما أراد أن يخلص إلى دخائل النفوس وضمائر القلوب ، وأن يحاسب الناس على آرائهم كما يحاسبهم على أعمالهم . فلقينا من ذلك جهدا أشد الجهد ، وعنتا أعظم العنت ، حتى تحول كثير منا عما كان يضمر من حب آلهتنا . وإنا لفي ذلك العناء وإذا أنا أسمع حديثا عن بلدكم هذا يغريني به ويدفعني إليه ، ويخيل إلي أن آلهتنا قد هاجروا من بلاد الروم إلى العرب ، فأقاموا فيها ، وفرغوا لأهلها يبسطون عليهم من سلطانهم العذب ما كانوا يبسطونه على الروم " . قال صفوان : " وما ذاك الحديث ؟ " . قال الرومي : " حديث ذلك الجيش النصراني الحبشي الذي أقبل على بلدكم هذا ليهدمه ويدمره ، مقدما بين يديه فيله العظيم . فما كاد يدنو من حرمكم هذا حتى رد عنه أقبح الرد وأشنعه ، وحتى سلطت عليه تلك الطير التي مزقته تمزيقا " . قال صفوان : " فإن رب الحرم قد ذاد العدو عن الحرم ، ما نجد في ذلك غرابة وعجبا " .